القرطبي

114

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

بشئ آخر ، والعرب تقول : لا ذهب ، أي لم يذهب ، فحرف النفي ينفى الماضي كما ينفي المستقبل ، ومنه قول زهير : * فلا هو أبداها ولم يتقدم ( 1 ) * قوله تعالى : ( ولكن كذب وتولى ) أي كذب بالقرآن وتولى عن الايمان ( ثم ذهب إلى أهله يتمطى ) أي يتبختر ، افتخارا بذلك ، قاله مجاهد وغيره . مجاهد : المراد به أبو جهل . وقيل : " يتمطى " من المطا وهو الظهر ، والمعنى يلوي مطاه . وقيل : أصله يتمطط ، وهو التمدد من التكسل والتثاقل ، فهو يتثاقل عن الداعي إلى الحق ، فأبدل من الطاء ياء كراهة التضعيف ، والتمطي يدل على قلة الاكتراث ، وهو التمدد ، كأنه يمد ظهره ويلويه من التبختر . والمطيطة الماء الخاثر في أسفل الحوض ، لأنه يتمطى أي يتمدد ، وفي الخبر : ( إذا مشت أمتي المطيطاء ( 2 ) وخدمتهم فارس والروم كان بأسهم بينهم " . والمطيطاء : التبختر ومد اليدين في المشي . قوله تعالى : ( أولى لك فأولى . ثم أولى لك فأولى ) : تهديد بعد تهديد ، ووعيد بعد وعيد ، أي فهو وعيد أربعة لأربعة ، كما روى أنها نزلت في أبي جهل الجاهل بربه فقال : " فلا صدق ولا صلى . ولكن كذب وتولى " أي لا صدق رسول الله ، ولا وقف بين يدي فصلى ، ولكن كذب رسولي ، وتولى عن التصلية بين يدي . فترك التصديق خصلة ، والتكذيب خصلة ، وترك الصلاة خصلة ، والتولي عن الله تعالى خصلة ، فجاء الوعيد أربعة مقابلة لترك الخصال الأربعة . والله أعلم . لا يقال : فإن قوله : " ثم ذهب إلى أهله يتمطى " خصلة خامسة ، فإنا نقول : تلك كانت عادته قبل التكذيب والتولي ، فأخبر عنها . وذلك بين في قول قتادة على ما نذكره . وقيل : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من المسجد ذات يوم ، ( 3 ) فاستقبله أبو جهل على باب المسجد ، مما يلي باب بني مخزوم ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم

--> ( 1 ) صدر البيت : * وكان طوى كشحا على مستكنة * ( 2 ) المطيطاء يمد ويقصر قال ابن الأثير : وهي من المصغرات التي لم يستعمل لها مكبر . ( 3 ) في ز ، ط ، ل : ( ذات ليلة ) .